ابن قيم الجوزية
143
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
يهون عليه أمرها حتى يصر عليها . فيكون مرتكب الكبيرة الخائف الوجل النادم أحسن حالا منه . فالإصرار على الذنب أقبح منه . ولا كبيرة مع التوبة والاستغفار . ولا صغيرة مع الإصرار . وقد قال صلى اللّه عليه وسلم « إياكم ومحقرات الذنوب - ثم ضرب لذلك مثلا بقوم نزلوا بفلاة من الأرض . فأعوزهم الحطب . فجعل هذا يجيء بعود ، وهذا بعود . حتى جمعوا حطبا كثيرا . فأوقدوا نارا . وأنضجوا خبزتهم . فكذلك فإن محقرات الذنوب تجتمع على العبد وهو يستهين بشأنها حتى تهلكه » . فإن نجا من هذه العقبة بالتحرز والتحفظ ، ودوام التوبة والاستغفار . وأتبع السيئة الحسنة . طلبه على : العقبة الخامسة : وهي عقبة المباحات التي لا حرج على فاعلها . فشغله بها عن الاستكثار من الطاعات . وعن الاجتهاد في التزود لمعاده . ثم طمع فيه أن يستدرجه منها إلى ترك السنن . ثم من ترك السنن إلى ترك الواجبات . وأقل ما ينال منه : تفويته الأرباح ، والمكاسب العظيمة . والمنازل العالية . ولو عرف السعر لما فوت على نفسه شيئا من القربات . ولكنه جاهل بالسعر . فإن نجا من هذه العقبة ببصيرة تامة ونور هاد ، ومعرفة بقدر الطاعات والاستكثار منها ، وقلة المقام على الميناء ، وخطر التجارة ، وكرم المشتري ، وقدر ما يعوض به التجار ، فبخل بأوقاته . وضن بأنفاسه أن تذهب في غير ربح . طلبه العدو على : العقبة السادسة : وهي عقبة الأعمال المرجوحة المفضولة من الطاعات . فأمره بها . وحسّنها في عينه . وزينها له . وأراه ما فيها من الفضل والربح ، ليشغله بها عما هو أفضل منها ، وأعظم كسبا وربحا ، لأنه لما عجز عن تخسيره أصل الثواب ، طمع في تخسيره كماله وفضله ، ودرجاته العالية . فشغله بالمفضول عن الفاضل ، وبالمرجوح عن الراجح ، وبالمحبوب للّه عن الأحب إليه ، وبالمرضيّ عن الأرضي له . ولكن أين أصحاب هذه العقبة ؟ فهم الأفراد في العالم ، والأكثرون قد ظفر بهم في العقبات الأول . فإن نجا منها بفقه في الأعمال ومراتبها عند اللّه ، ومنازلها في الفضل ، ومعرفة مقاديرها ، والتمييز بين عاليها وسافلها ، ومفضولها وفاضلها ، ورئيسها ومرؤوسها ، وسيدها ومسودها . فإن في الأعمال والأقوال سيدا ومسودا ، ورئيسا ومرؤوسا ، وذروة وما دونها ، كما في الحديث الصحيح « سيد الاستغفار : أن يقول العبد : اللهم أنت ربي . لا إله إلا أنت - الحديث » وفي الحديث الآخر « الجهاد ذروة سنام الأمر » وفي الأثر الآخر « إن الأعمال تفاخرت . فذكر كل عمل منها مرتبته وفضله . وكان للصدقة مزية في الفخر عليهن » ولا يقطع هذه العقبة إلا أهل البصائر والصدق من أولي العلم ، السائرين على جادة التوفيق ، قد أنزلوا الأعمال منازلها ، وأعطوا كل ذي حق حقه . فإذا نجا منها لم يبق هناك عقبة يطلبه العدو عليها سوى واحدة لا بد منها . ولو نجا منها أحد لنجا منها رسل اللّه وأنبياؤه ، وأكرم الخلق عليه . وهي عقبة تسليط جنده عليه بأنواع الأذى ، باليد واللسان والقلب ، على حسب مرتبته في الخير . فكلما علت مرتبته أجلب عليه العدو بخيله ورجله ، وظاهر عليه بجنده ، وسلط عليه حزبه وأهله بأنواع التسليط . وهذه العقبة لا حيلة له في